زمردة

الفيبروميالجيا

الفيبروميالجيا: ألم خفي لا يراه إلا المريض

مؤخراً فى عالم الطب الحديث ظهرت بعض الأمراض التي لم يكن يعرفها الكثير وكان يتم تشخيصها مسبقاً بشكل خاطئ ، ومن أهمها متلازمة الألم العضلي الليفي أو الفيبروميالجيا Fibromyalgia ، وهى عبارة عن مشكلة جسدية لاتظهر أو ترى بالعين المجردة على الجسد ، ولا تظهر بشكل واضح من خلال التحاليل والاشعة ، ولكنها تمثل معاناة حقيقية لمن يصاب بها بل وتزداد الأعراض بمرور الوقت إذ لم يتم الالتفات لها وبدء استراتيجية علاجية مناسبة للسيطرة عليها بقدر الإمكان ، فهى تشكل مجموعة من الأعراض المرضية المتشابكة والمعقدة التي تؤثر على حياة المريض بشكل كبير ، وذلك لأنها تجمع ما بين المرض المزمن واضطرابات النوم والإرهاق المستمر بالإضافة إلى أعراض مختلفة من الاضطرابات النفسية نتيجة تفاوت شدة الألم ، فما هو تعريف الفيبروميالجيا طبياً ، وما هى أسباب الإصابة به ، وما مدى انتشاره ، وما هي أعراضه ومضاعفاته وطرق التعايش الصحيحة معه ، هذا ما سوف نناقشه خلال السطور القادمة فتابعوا القراءة فضلاً .

 

ماهى الفيبروميالجيا

تعريف الفيبروميالجيا بشكل مبسط ، هو ليس مرض مناعي تقليدي، أو التهابي ، بل يتم تصنيفه ضمن فئة الاضطرابات الدماغية فى معالجة الألم بالجهاز العصبي المركزي ، حيث أن العلماء قد صنفوا الأشخاص المصابين بتلك المتلازمة يعانون بالفعل من أعراض خلل في طريقة تفسير الدماغ للإشارات العصبية الخاصة بالألم، وهو ما يجعلهم يشعرون بأعراض وتقلصات أكثر حدة تجاه أشياء عادية لا تسبب الألم فى المعتاد ، وبالمناسبة إن متلازمة الألم العضلي الليفي هو ليس مرضاً حديثاً بالمعنى الحرفى كما يعتقد البعض ، ولكن تم اكتشافه وتصنيفه وفهمه من قبل الأطباء خلال العقود الماضية وبدء يتم تشخيصه للمرضى المصابين  وبداية العمل الفعلى على ملاحظة الحالات ومدى تطورها وتقبلها للعلاج بشكل دقيق ، وذلك عن طريق منظمات طبية عالمية كـ منظمة الصحة العالمية وجمعية الروماتيزم الأمريكية.

متلازمة الألم العضلي الليفي

ما مدى انتشار متلازمة الألم العضلي الليفي

حسب أحدث الاحصائيات الأخيرة أثبتت أن هناك  نحو ما يقرب من 2 لـ 4% من تعداد سكان العالم تقريباً يعانون من مرض الفيبروميالجيا وهى نسبة لا يستهان بها على الإطلاق ، وتلك الإحصائيات أوضحت ايضاً أن نسب الإصابة كانت أعلى بشكل ملحوظ لدى السيدات مقارنة بالرجال ، وتبدأ أعراض المتلازمة فى الظهور عادة في منتصف العمر فى أغلب الحالات ، ولكنها ايضاً قد تظهر في أي مرحلة من مراحل الحياة عموماً ، حتى في مرحلة عمر المراهقة.



ما هى الأسباب المحتملة للإصابة الفيبروميالجيا

فى الحقيقة حتى هذه اللحظة لا يوجد سبب واحد واضح و معروف ومباشر للإصابة بالفيبروميالجيا، ولكن بعض الأبحاث قد أشارت إلى مجموعة عوامل معقدة قد تساهم في الإصابة، ومن أهمها :

العامل الوراثي

تم ملاحظة أن الفايبروميالجيا قد تنتشر في بعض العائلات بشكل ملحوظ مع اختلاف شدة الأعراض من مصاب للآخر ، وهو ما يشير إلى عامل وراثي واضح في قابلية الفرد للإصابة عن غيره دون أسباب واضحة ، ولكن حتى الآن لم يتم تحديد جين معين مسؤول عن الاصابة بهذا المرض، ولكن يعتقد بعض العلماء أن هناك عدة جينات متداخلة تزيد من احتمالية ظهوره.

العوامل العصبية

هناك أدلة تشير إلى أن متلازمة الألم العضلي الليفي مرتبطة بحدوث خلل في نقل الإشارات العصبية، وبالاخص السيروتونين والنورابينفرين، وهي عبارة عن مواد كيميائية تؤثر على مصادر الاستشعار بالألم وعوامل المزاج والنوم ، و يظن البعض أن هذا الخلل يؤثر على الدماغ وجعلها تضخم الإشارات العصبية الواصلة من الجسم، وهو ما يؤدي إلى استقبال استجابة مبالغ فيها تجاه الألم.

الجوانب النفسية والتأثيرات البيئية

احياناً يمكن لبعض التجارب والصدمات أن تحفز من ظهور الفيبروميالجيا، مثل:

  • الصدمات النفسية كوفاة أحد المقربين  أو التعرض للاذى الجسدي أو الجنسي.
  • الإصابات الجسدية البالغة الناتجة عن حادث أو سقوط أو غيرها .
  • كثرة الشعور بالتوتر أو الكبت العاطفي أو الحزن .
  • قد يساهم فى الإصابة بعدوى فيروسية في ظهور الأعراض.

 

أعراض الاصابة بالفيبروميالجيا

متلازمة الألم العضلي الليفي أو الفيبروميالجيا تعتبر ضمن متلازمة الألم العضلي الليفي أو الفيبروميالجيا تعتبر الحالات المعقدة طبياً بسبب أعراضها المتعددة والمختلفة في شدتها من مريض لآخر، وهي التي قد تتشابه مع أعراض خاصة بأمراض أخرى، وهو ما يجعل التشخيص أصعب للطبيب والمريض معًا، ومن أهم الأعراض الشائعة :

  • إرهاق مستمر

الشعور بالتعب والارهاق المزمن هو عرض واضح جداً للاصابة بـ متلازمة الألم العضلي الليفي ، حيث يشعر المصابون بتعب مستمر غير مبرر حتى بعد استغراق فى أوقات النوم الطويل والاسترخاء الكافي  ، والتحليل العلمى له بأنه يوصف التعب بأنه يُفرغ الطاقة أول بأول داخل الجسم ويجعل من أداء المهام اليومية أمراً صعب .

  • ألم مزمن بالجسم

من أكثر الأعراض المرضية الأساسية شيوعاً ، وهو يكون عبارة عن ألمًا عامًا في عضلات ومفاصل الجسم  ، ويشبه الإحساس بالحمل البدنى العالي أو الضغط القوى ، وأحيانًا يتم وصفه بأنه أعراض لـ ألم ينهك الجسد بالكامل، وهو بالمناسبة لا يكون موضعيًا فقط بل ينتقل من منطقة لأخرى و يشتد أوقات الصباح أو بعد بذل مجهود.

  • الضباب الذهني

من الأعراض الشائعة بالاصابة بـ الفيبروميالجيا هو الضباب الذهني أو Brain Fog ، وهو عبارة عن شعور بالتشتت الذهني وصعوبة التركيز أغلب الوقت ، مع التأثير على قوة الذاكرة قصيرة المدى بشكل واضح ، وهو ما يجعل هناك صعوبات في القيام بالمهام الروتينية المعتادة.

  • اضطرابات النوم

مرضى الفيبروميالجيا يعانون بشكل كبير من صعوبة في النوم العميق وعادة مايستيقظون مرهقين ، كما أنهم قد يعانون من أعراض الأرق أوقات كبيرة متواصلة ، أو الاستيقاظ عدة مرات أوقات الليل دون سبب.

  • أعراض محتملة متنوعة 

هناك أيضا بعض الأعراض المختلفة التى قد تصيب المريض مثل الاضطرابات الهضمية والقولون العصبي ، أو تنميل بالأطراف ، أو صداع مزمن مختلف الأعراض ، وزيادة الحساسية تجاه الصوت المرتفع أو الضوء اللامع أو الروائح النفاذة ، مع تقلب مزاجي مفاجىء يصاحبه اكتئاب وتوتر ، والإصابة بمتلازمة تململ الساقين.



صعوبات تشخيص متلازمة الألم العضلي الليفي

حتى وقتنا هذا لا توجد أشعة  أو تحاليل يمكنها تأكيد الإصابة بـ الفيبروميالجيا بشكل مباشر، وهو ما يجعل التشخيص لابد أن يكون من خلال عمل فحص سريري مع استبعاد الأسباب الأخرى ، حيث كان فى السابق يعتمد الأطباء على  الشعور بألم في مناطق معينة بالجسم تُعرف بنقاط الضغط ولكن الآن يعتمد التشخيص بشكل أكبر على :

  • انتشار الألم في مناطق متفرقة من الجسم وتزيد بمرور الوقت .
  • استمرار الأعراض لأكثر من 3 شهور متصلة .
  • تكامل باقى الأعراض الدالة على الإصابة مثل ،اضطرابات النوم ، والإرهاق ، والضباب الذهني ، والتشتت وتقلصات العضلات .
  • التأكد من عدم الاصابة بحالات أخرى تُفسر تلك الأعراض مثل التهاب المفاصل الروماتويدي، والذئبة، أو قصور بالغدة الدرقية.

 

ماهي مضاعفات متلازمة الفيبروميالجيا

بالرغم من أن الفايبروميالجيا لا يتسبب فى أضرار عضوية خاصة بالمفاصل أو العضلات بشكل مباشر، إلا أن فى حالة  استمرار الأعراض مع إهمال العلاج من الممكن أن يؤدي إلى:

  1. الاكتئاب الحاد  وتدهور الحالة النفسية والتوتر المزمن .
  2. الرغبة الدائمة فى العزلة والشعور بعدم فهم ما يدور من حوله .
  3. الاضطرابات الغذائية مع احتمالية زيادة الوزن بسبب قلة النشاط والإرهاق المستمر .
  4. المبالغة فى تناول مسكنات الألم و المهدئات بكثرة بدون استشارة الطبيب .


متلازمة الفيبروميالجيا

ماهو علاج الفيبروميالجيا

حتى اللحظة لا يوجد علاج كامل للفيبروميالجيا، ولكن هناك مجموعة من الطرق العلاجية الشاملة التي تهدف إلى تقليل الأعراض وتحسين الجانب النفسي للمريض ، ومنها :

العلاج الدوائي

يحتوي العلاج الدوائى على مجموعة من الأدوية التى تعمل على موازمة النواقل العصبية مثل دولوكسيتين وملناسيبران ، ايضاً مضادات الاكتئاب مثل الأميتريبتيلين ، وهو الذى يستخدم لتعديل النوم الحد من الألم ، ومن الممكن استخدام الأدوية المضادة للتشنجات العصبية كـ البريجابلين و الجابابنتين ، مع تسكين الالم بمسكنات غير ضارة كـ الباراسيتامول ولكن مع عدم الإفراط بها . 

العلاج النفسي

تعد جلسات الدعم النفسي أمر يساعد المريض على تقبل أعراض المرض وتخفيف الضغط النفسي بنسبة كبيرة  ، ايضاً استراتيجيات العلاج السلوكي المعرفي وهي التي تساعد في تغيير طريقة التفكير بإيجابية تجاه الألم والتحكم أكثر بالتوتر ، ويفضل الاستعانة بتدريبات اليوغا والتأمل النفسى وتمارين التنفس لتقليل القلق وتحسين الجانب النفسي والجسدي.

العلاج الطبيعي

فى الحالات المتأخرة يفضل عمل جلسات علاج طبيعي لتحسين مرونة العضلات والمفاصل ، مع ممارسة بعض التمارين الخفيفة مثل المشي والسباحة الخفيفة لتحسين حالة الدورة الدموية بالجسم وتقليل مشاكل التصلب العضلي.

تغيير الروتين وتحسين أسلوب الحياة

من أعراض الفيبروميالجيا الشائعة هى الإصابة بالملل والاكتئاب ، لذلك لابد من تغيير الروتين اليومى ومحاولة استغلال اوقات الفراغ فى الترفيه والتنزه وعمل أنشطة جديدة وزيارة الاماكن المحببة ، مع اتباع نظام غذائي متوازن يتضمن الطعام المفضل ولكن مع تجنب المحفزات مثل السكر و الكافيين بكميات زائدة ، مع ضرورة تنظيم اوقات النوم وخلق روتين يومي للنوم الصحي واراحة العضلات ، وفي النهاية لابد من الحفاظ على الوزن الصحي لأن السمنة تزيد الأعراض مستقبلاً .



كيفية التعايش مع الفيبروميالجيا

نعلم أن التأقلم مع مرض مزمن ليس أمرًا هين ولكنه ممكن من خلال بعض العوامل الاساسية التى يجب الاقتناع بها والتعايش معها ، وذلك من خلال :

  1. فهم أعراض ومشاكل واضرار المرض هى أول خطوة للتحكم فيه.
  2. مشاركة الأحداث والأعراض مع المقربين أو الأصدقاء لمزيد من الدعم وتخفيف الشعور بالوحدة.
  3. لابد من التفكير بإيجابية للتمكن من ادارة المرض وعدم الاستسلام للارهاق والآلام المستمرة  .

 

فى النهاية

رسالة موجهة إلى كل من تخوض تجربة مرض الفيبروميالجيا، عليكِ أن تعرفى أنك لست وحيدة ، بل إن سر قوتك تكمن في إرادتك المستمرة على المقاومة والبحث عن عوامل راحتك يومًا تلو الآخر، فعليكى أن تكوني صبورة مع جسدك وتستمعي إلى احتياجاته، ولا تترددي في متابعة الطبيب وطلب الدعم منه قم من المقربين ، فـ البحث العلمى لا يزال يلعب دورًا حيويًا في كشف المزيد عن آليات المرض وتطوير التقنيات العلاجية كى تصبح أكثر فعالية ، وتذكرى ان رحلتك فريدة مهما كانت المؤثرات ، وقيمتك لا تقاس بما تشعرين به في يوم سيء احياناً، بل بقدرتك على النهوض مجدداً والمضي قدمًا دون النظر للوراء ، ونحن فى زمرة يسعدنا استقبال الرسائل والاستفسارات عبر وسائل التواصل الخاصة بنا لمزيد من دعم المرأة في جميع ما يهمها .