أسباب المشاكل النفسية عند الأطفال وكيفية التعامل معها
خلال فترة مرحلة الطفولة تبدأ شخصية الطفل فى تشكيل ملامحها الشخصية وتبرز الأسس النفسية التي ترافق الإنسان طيلة حياته، وتساهم البيئة المحيطة له ، والتجارب التي يخوضها، في بناء أو هدم هذا الكيان النفسي الناشئ لدى الطفل ، وبالرغم من أن العديد من الأسر تهتم بالجوانب الجسدية والترفيهية والعلمية ، إلا أنهم غالباً ما يغفلون الجانب النفسي ويتم النظر إليه على أنه أمر ثانوي أو لحظي، لا يستدعي القلق ولا يسبب مشاكل ، و لكن فى الحقيقة أن الدراسات النفسية أكدت أن نسبة كبيرة من الاضطرابات النفسية التي تظهر في سن البلوغ تعود جذورها إلى مرحلة الطفولة ، فما هى أبرز المحركات الخفية والمباشرة للمشاكل النفسية لدى الأطفال لإكتشافها مبكرًا والتعامل معها ، هذا ما سوف نناقشه خلال السطور القادمة فتابعوا القراءة .
تتعدد الأسباب التى تتسبب فى إصابة الطفل بمشاكل نفسية وتؤثر على سلوكياته وانطباعه نحو المجتمع سواء الدائرة القريبة من الأهل والأقارب ، أو دائرة الأصدقاء والمجتمع الخارجى ، والتأثير على سلوكه العام ، ومن أهمها :
المشاكل والنزاع الأسري المتكرر
الشجار اليومي بين الأب والأم أمام أعين الطفل تؤدي الى الخوف والقلق والاحساس بعدم الاستقرار ، فالطفل لا يمكنه تفسير أسباب النزاعات، ويبدأ بإلقاء اللوم على نفسه مما قد يؤدي إلى الاكتئاب ، وفي بعض الأحيان قد تتطور الأمور إلى مشاكل مثل التبول اللاإرادي أو السلوك العدواني أو اضطرابات النوم .
حالات الطلاق أو الانفصال بين الوالدين
انفصال أو طلاق الوالدين بدون شك يجعل الطفل يشعر بالقلق من الغد ويترك أثراً عميقاً في نفسيتة خاصة إذا لم يتم تهيئته نفسيًا لذلك ، فقد يشعر بالرفض والإحساس بالذنب والغيرة من إخوته وعدم القبول وعدم الأمان خصوصا عند انتقاله من المنزل لمنزل جديد مع الأب أو الأم بمفرده .

التفرقة بين الأبناء والمقارنة بينهما
المقارنة المستمرة من الأمور الخطيرة جدا والكبيره في نظر الأطفال فهى تقلل من احترام الذات و تولد الغيرة والتوتر لديهم ، والبعض منهم قد ينتهجون سلوكًا عدوانيًا تجاه اخوتهم كرد فعل مقابل هذا ويزيد بمرور الوقت ، والشعور بعدم الكفاءة قد ينعكس على التحصيل الدراسي والعلاقات الاجتماعية بشكل عام .
الاستعانة بأسلوب العقاب الجسدي أو الإهانة
العقاب الجسدى أو الإهانة للطفل يؤديان إلى إحساس بالخوف من التعبير وعد الرغبة فيهم ، و قد تظهر النتائج في صورة سلوك عدواني ضد الآخرين من إخوة أو أصدقاء ، وقد أثبتت الدراسات النفسية أن الضرب والعنف الجسدي للأطفال يزيد من احتمالية الاضطرابات النفسية فى المستقبل.
عدم الاحتواء والدعم العاطفي
بشكل عام الطفل الذي لا يشعر بالحب أو الدعم من الوالدين بالاخص يصبح أكثر عرضة للاصابة بالمشاكل النفسية ، فـ إنشغال الوالدين المستمر وعدم قضاء وقت كاف مع الطفل يخلق فجوة نفسية عميقة بينهم ويبعد المسافات كلما زاد هذا الشعور ، فالدعم العاطفي أمر أساسي لبناء الثقة بالنفس واتزان الشخصية.
فقد المقربين أو الصدمات المبكرة
عند وفاة أحد الوالدين، أو الجد أو الجدة، أو فى بعض الأحيان حيواناتهم الأليفة قد يشكل هذا الأمر صدمة نفسية كبيرة ، من أعراضها الاصابة بالتعلق المرضي والاكتئاب، واضطرابات النوم، أو صعوبة التركيز الدراسى أو بشكل عام ، وعدم الفضفضة عن الصدمة أو كبتها داخله قد يزيد من تعقيد الأعراض النفسية مستقبلاً .
التعرض للتنمر باختلاف أشكاله
تعرض الطفل للتنمر الجسدي أو اللفظي قد يؤثر على نظرة الطفل لنفسه ويهز ثقته بذاته ، وقد يصاحبه شعور بالخوف أو العزلة بشكل دائم وأحياناً التفكير في إيذاء نفسه ، ففي بعض الحالات يتطور التنمر إلى مشاكل مزمنة مثل اضطراب الوسواس القهري.
الضغوط الدراسية وحدة المنافسة
قد تبالغ المؤسسات التعليمية أو الأهل في الضغط على الطفل لتحقيق نتائج دراسية غير مسبوقة ، وتوصيل شعور له بأنه لامجال للنجاح فى الحياة دون تحقيق النتائج النهائية فقط ، وقد يؤدي هذا الأمر إلى الاصابة بالتوتر المزمن، اضطرابات الأكل أو النوم، وأعراض جسدية نفسية مثل الصداع المزمن وآلام البطن .
عدم الانتظام على روتين يومي
يعتبر عدم وجود نظام يومي واضح يربك الطفل نفسيًا ويزيد من شعوره بالفوضى وعدم الالتزام ، فالروتين يساعد الطفل نسبياً على الشعور بالأمان وسريان الأمور بشكل صحيح ، لأن النوم المتقطع أو ساعات الشاشة المفرطة تؤدي إلى مشاكل في التركيز والسلوك.
الإفراط في إستخدام التكنولوجيا
محتوى الفيديوهات غير المناسب للفئة العمرية للطفل يعد أمر خطير جداً يمكن أن يثير مشاعر التوتر والتوهان والخوف ، فـ الحد من التفاعل الاجتماعى على الواقع مع الأهل والأصدقاء يؤثر على الجانب الاجتماعي والعاطفي ونموه ، ويرجى العلم أن استخدام الشاشات قبل النوم مباشرة يؤثر على جودة النوم وبالتالي على الاستقرار النفسي ، ولا يفضل استخدام اى شاشات أمام العين قبل ساعتين على الاقل قبل النوم .
مشاكل في النمو العصبي أو الاضطراب البيولوجي
تعد مشاكل فرط الحركة وتشتت الانتباه أو ماتسمى بـ ADHD أو طيف التوحد هى أمور تؤدي إلى صعوبات في التأقلم والاندماج ، وعدم تشخيص هذه الحالات بشكل مبكر يجعل الطفل أكثر عرضة للرفض والتجنب من قبل اخوته ، فلابد من التشخيص والعلاج المبكر وإدماج الطفل في برامج خاصة لتجنب التأثير النفسي السلبي.
غياب القدوة الحسنة
الطفل دائما ما يتخذ الاب أو الام كقدوة فى أغلب التصرفات ، وإذا كان هناك عنف أو عصبية، فقد يتبنّاها الطفل بسهولة وينمي منها ، لذلك عدم وجود نموذج يحتذى به في ضبط المشاعر أو التعامل مع الغضب يؤثر على سلوكيات وانفعالات الطفل ، ولابد من وجود قدوة إيجابية لها تأثير مباشر على التوازن الانفعالي للطفل.
مشاهدة محتوى غير مناسب
من الأمور الخطيرة فى عصر التكنولوجيا أنها تؤدي أحيانًا إلى سلوك عدواني أو تقليد متهور لما يشاهدونه من رسوم متحركة، وأفلام عنيفة ودموية ، وألعاب إلكترونية تؤثر سلبًا على الأطفال ، فلابد من مراقبة المحتوى وتحديد زمن المشاهدة حسب الفئة العمرية من قبل الوالدين .
مشاكل واضطراب النوم
يعد قلة النوم أو الأرق أو الكوابيس المتكررة لها تأثير كبير على السلوك والمزاج العام ، فقد تكون ناتجة عن قلق داخلي أو عدم انتظام في الروتين اليومي ، وجودة النوم الجيد أمر أساسي فى تنظيم العاطفة والتركيز.
تهميش دور الطفل
الأطفال دائماً يحتاجون للشعور بأنهم مهمون ومسموعون بشكل مستمر ، و تجاهل رأي الطفل، أو التقليل من مشاعره يترك أثرًا سلبياً ونفسيًا لديهم ، فلا بد من تشجيعهم والأخذ برأيهم كلما اتاحت الفرصة لذلك .

بعض العلامات التى تدل على وجود مشكلة نفسية عند طفلك
من الضرورى عند ملاحظة أى من التغييرات غير الطبيعية أو السلوكيات العدوانية أو الانطوائية ، اتخاذ خطوة جدية فى علاجها فكلما تم اكتشاف هذه العلامات مبكرًا، كلما زادت فرص النجاح في العلاج ، مثل الاتى :
- فقدان الشغف بالألعاب والنشاطات المفضلة لديه بشكل مفاجىء .
- اضطراب في الشهية مثل زيادة معدلات الأكل أو قلتها بشكل حاد .
- تغير مفاجىء في عادات وطرق النوم.
- تراجع مستمر وغير مبرر في المستوى الدراسي أو فقدان التركيز.
- ملاحظة شكاوى متكررة من آلام بمناطق متفرقة دون سبب طبي واضح .
- ظهور سلوكيات عدوانية أو انسحابية حادة ومستمرة .
- التعلق المبالغ فيه بالأم أو الخوف من البعد عنها.
- ترديد كلمات سلبية مستمرة عن الذات متعلقة بالحب والكراهية و معدلات الذكاء والانتباه.
كيفية التعامل السليم مع المشكلات النفسية للأطفال
1.البيئة الآمنة والروتين اليومى
فى البداية لابد من توفير بيئة مستقرة وهادئة للطفل قدر الإمكان ، مع وجود روتين يومي يساعد الطفل على الشعور بالأمان.
2. الاحتواء والاستماع له
لابد من سماع الطفل باهتمام بالغ دون إصدار أي أحكام نهائية ، مع إعطائه مساحة حرية التعبير عن رأيه دون سخرية أو مقاطعة واستخفاف .
3. الحد من استخدام التكنولوجيا
لابد من تحديد الوقت أمام الموبايل والتابلت والتلفزيون وبالاخص قبل النوم، لأنها تؤثر على التركيز والمزاج وجودة النوم العميق.
4. المشاعر والتواصل الإيجابي
على الأبوين استخدام عبارات تشجيعية يحتاج إليها باستمرار مثل أنا أحبك ، وأنا فخور بك ، وغيرها حسب احتياجاته واهتماماته ، مع الحد من الصراخ أو العقاب القاسي، فتلك الأساليب تؤذي الطفل نفسيًا أكثر مما تعديله وتهذيبه.
5. العناية بالصحة الجسدية
ومنها التغذية السليمة المتنوعة العناصر وشرب كميات مناسبة من المياه والسوائل ، والنوم الكافي، وممارسة الرياضة التي تساعد في تحسين المزاج والنشاط النفسي.
6. زيارة الطبيب النفسي للدعم
إذا استمرت الأعراض أو تفاقمت، فمن الضروري عدم التردد لاستشارة أخصائي نفسي للأطفال، لأن التدخل المبكر قد يمنع استمرار المشكلة لاحقًا.
فى النهاية
الأطفال ليسوا كائنات صغيرة لا تشعر، بل هم عالم كبير معقد يحتوى على المشاعر والأفكار والاحتياجات التي تحتاج لرعاية خاصة بالإضافة إلى أهمية القدوة في الأب والأم ، لأن مشكلات الطفل النفسية ليست عيبًا ولا فشلًا من الأهل، بل هي بداية فرصة لفهم احتياجاتهم ودعمهم لينمو بشكل سليم نفسيًا وعاطفيًا ، وعليك أن تضع فى اعتبارك أن الطفل الذي ينشأ في بيئة آمنة نفسيًا، يصبح مسؤولا ومتزن وواثق من نفسه بشكل كبير دون مساعدات ، وطفلك هو كنزك واستثمارك الاهم في الحياة .